السيد الطباطبائي

58

تفسير الميزان

فرض نزولها يوم بدر لم يوجب خصوص السبب في عموم مدلول الآية شيئا كما في سائر الآيات التي جمعت بين عموم الدلالة وخصوص السبب . قال صاحب المنار في تفسيره : وإنما قد يتجه بناء التخصيص على قرينة الحال لو كانت الآية قد نزلت قبل اشتباك القتال - خلافا للجمهور - مع ما لغزوة بدر من الخصائص ككونها أول غزوة في الاسلام لو انهزم فيها المسلمون والنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم لكانت الفتنة كبيرة . وتأييد المسلمين بالملائكة يثبتونهم ، ووعده تعالى بنصرهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم . فإذا نظرنا إلى مجموع الخصائص وقرينة الحال في النهى اتجه كون التحريم المقرون بالوعيد الشديد الذي في الآية خاصا بها . أضف إلى ذلك أن الله تعالى امتحن الصحابة ( رض ) بالتولي والادبار في القتال مرتين مع وجوده صلى الله عليه وآله وسلم معهم : يوم أحد وفيه يقول الله تعالى ( 3 : 155 ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور حليم ) ويوم حنين ، وفيه يقول الله تعالى ( 9 : 25 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين 26 ، ثم انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) الخ ، وهذا لا ينافي كون التولي حراما ومن الكبائر ، ولا يقتضى ان يكون كل تول لغير السببين المستثنيين في آية الأنفال يبوء صاحبه بغضب عظيم من الله ومأواه جهنم وبئس المصير بل قد يكون دون ذلك ، ويتقيد بآية رخصة الضعف الآتية في هذه السورة ، وبالنهي عن إلقاء النفس في التهلكة من حيث عمومها كما تقدم في سورة البقرة وسيأتي تفصيله قريبا . وقد روى احمد وأصحاب السنن إلا النسائي من حديث ابن عمر قال : ( كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص فقلنا : كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ؟ ثم قلنا : لو دخلنا المدينة فبتنا ، ثم قلنا : لو عرضنا نفوسنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فإن كان لنا توبة وإلا ذهبنا ، فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال : من الفرارون ؟ فقلنا : نحن الفرارون . قال : بل أنتم العكارون انا فئتكم وفئة المسلمين . قال : فأتينا حتى قبلنا يده .